يونيو 10, 2023

محمد سيف الدولة يكتب عن الرجل الشجاع أبو العلا ماضي

الو .. مين معايا؟

= أنا أبو العلا ماضى.

– أهلا يا باشمهندس.

= أكلمك لأدعوك إلى الإفطار السنوي لحزب الوسط، وكل سنة وانت طيب.

– أشكرك على دعوتك الكريمة وسأحضر بإذن الله.

***

لا يمكن أن يمر رمضان دون أن نتذكر ونذكر بالخير حفل الإفطار السنوي الذى كان يقيمه حزب الوسط، تحت التأسيس، كل عام قبل الثورة، ويحرص فيه على دعوة شخصيات من كافة التيارات الفكرية والسياسية بدون استثناء، سوى رجال السلطة وأعضاء الحزب الوطنى.
كان إفطارًا يتواصل فيه الجميع ويتفاعلون بحب و تقدير، لا يتوقفون عند الانتماءات والمرجعيات الفكرية أو السياسية أو الحزبية لبعضهم البعض. يتبادلون فيه الآراء ويحللون الأحداث ويقرأون ما يتم توزيعه من بيانات ومنشورات. يتحاورون فيتفقون ويختلفون، وفى النهاية يتعانقون ثم ينصرفون. لقد كان إفطار حزب الوسط، وبحق، واحدًا من أبرز المعالم السياسية لرمضان فى مصر قبل ثورة يناير.

***

ولا يمكن كذلك أن ننسى وكيل مؤسسى الحزب قبل الثورة ورئيسه بعدها، المهندس أبو العلا ماضي، بهدوئه ودماثة أخلاقه وعلاقته الطيبة بالجميع، ودأبه وهو وزملاءه على الدفاع عن حقهم فى المشاركة فى الحياة الفكرية والسياسية المصرية رغم الحظر السياسى الذى كان مفروضًا على الجميع، بدءً بتأسيسهم لجمعية “مصر للثقافة والحوار” التى كانت تعقد ندواتها فى شقة صغيرة بمدينة نصر، ومرورًا بمشاركتهم فى كل أنواع الدعم والنصرة للقضية الفلسطينية. مثل تنظيم المؤتمر الثانى للجمعية عام 2002 بعنوان “مستقبل فلسطين.. ماذا بعد زوال دولة إسرائيل؟”.
وكذلك فتح مركز الدراسات الدولية – الذى كان يديره ماضى – أبوابه لاستقبال وتنظيم عديد من حوارات وفاعليات القوى السياسية. أتذكر منها اجتماعات الإعداد لتنظيم وقفة احتجاجية أمام مجمع التحرير فى الذكرى الـ 54 للنكبة الفلسطينية عام 2002، حين كان التظاهر لا يزال من الكبائر والمحظورات، تمامًا مثلما هو اليوم.
وكذلك مشاركتهم الإيجابية فى التصدي لنظام مبارك ومشروعات التوريث والتمديد والفساد وتزاوج السلطة ورأس المال، من خلال حركة كفاية والجمعية الوطنية للتغيير، وأيضًا مشاركتهم المشهودة فى ثورة يناير وما تلاها من أحداث وجولات ومد وجذر ومعارك انتخابية وصراعات سياسية.
هذا بالإضافة إلى جهودهم الحركية والفكرية الدائمة لمحاولة التقريب بين الفرقاء والقيام بدور الوساطة الفكرية والسياسية بين الجميع، وهو ما كان يتميز به بشكل خاص المهندس أبو العلا ماضي.
فلقد كان له اجتهاداته المتعددة دفاعًا عن وسطية الإسلام ومدنيته ونبذ العنف، والتأكيد على حق المواطنة للجميع. وهو ما عبر عنه بوضوح فى عديد من كتاباته أهمها كتاب “المسألة القبطية والشريعة والصحوة الإسلامية”. ولذا تم اختياره عضوًا فى الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي منذ عام 1999. وهو الفريق الذى أنشأه مجلس كنائس الشرق الأوسط.
لقد تواصلت مع أبو العلا ماضي فى مناسبات و فاعليات عديدة، ولكن أكثرها دلالة فى التعرف على حقيقة الرجل وأفكاره، هى لقاءاتي مع تلاميذه وأعضاء حزبه فى ندوات وحوارات فكرية مختلفة. كانوا جميعًا بدون استثناء شباب وطنى متوازن موضوعى يؤمن بالحرية وبالثورة وبسلميتها، يحب فلسطين ويعادى إسرائيل ويرفض كامب ديفيد والتبعية للأمريكان، يدين الاستقطاب السياسى ويسعى للحوار والتواصل مع كافة التيارات الأخرى.

***

كان أبو العلا ماضي أحد الشخصيات التى عصفت بها حالة الانقسام والاستقطاب البائسة التى ضربت الجميع، وما صاحبها ولا يزال من الصراع الحاد على السلطة الذى تفجر فى صيف عام 2013، فهو يقبع الآن فى سجن طرة، بعد أن تم اعتقاله فى يوليو 2013، بتهمة التحريض على العنف فيما يسمى بـ “أحداث بين السرايات”. ويتم تجديد حبسه باستمرار حتى الآن على ذمة التحقيقات، مثله فى ذلك مثل آلاف المعتقلين.
وإنه لمن مفارقات الظلم والاستبداد، أن يتم اتهام شخصية مثل أبو العلا ماضي بالتحريض على العنف، وبالإرهاب، وهو الذى وجه جزءً كبيرًا من دعوته ونشاطه وكتاباته ضد العنف والتطرف. ومن أهمها كتابه “جماعات العنف المصرية وتأويلاتها للإسلام” الصادر عام 2006.
كما أنه وزملاءه رفضوا منذ البداية الفجوة المفتعلة والمزمنة بين الإسلاميين وغيرهم، وكافحوا طويلًا لسدها، وحرصوا على طمأنة الجميع على وسطية الإسلام ووسطيتهم، واعتدالهم واعترافهم بالآخر، والتزامهم بالممارسة الديمقراطية وبقواعدها وأحكامها  والقبول بنتائجها.
ومن أجل ذلك حرصوا على العمل من داخل النظام السياسي والقانوني للدولة، كتفًا إلى كتف مع الجميع؛ رغم معارضتهم للنظام واستبداده وفساده. فتقدموا إلى لجنة الأحزاب بطلب تأسيس حزب شرعي. ولم ييأسوا من رفض طلبهم ثلاث مرات، ولم يكفروا بالديمقراطية، ولم يلجأوا إلى العمل السرى. وإنما كانوا يعيدون الكرة مرة تلو الأخرى، إلى أن قامت الثورة وخرج حزبهم إلى الوجود فى أيامها الذهبية.

***

والغريب أن أحدًا من “رفاقه”، من رموز التيارات السياسية الأخرى، لم يكتب حرفًا واحدًا للدفاع عنه أو للمطالبة بالإفراج عنه، رغم ما كان بينهم من علاقات إنسانية وسياسية حميمة وعميقة، وتاريخ طويل من النضال المشترك.
إن اعتقال “ماضى” هو واحد من أهم الدلائل الكاشفة عن حالة الاستبداد والرغبة العنصرية الحالية فى اجتثاث كل من يمت بصلة إلى التيار الإسلامي، حتى لو كان من نوعية أبو العلا ماضى.
كما أنها تكشف تهافت وسيولة تهم الإرهاب وأخواتها من التخوين والشيطنة التى توجه كل يوم إلى من يجرؤ على معارضة السلطة. وتؤكد أننا بصدد حملات منهجية للتوقيف السياسى خارج المنطق والعدل والقانون.
كما أن صمت “الرفاق” القدامى عن الظلم والظالم والمظلومين، هو أبلغ تعبير عن حالة الخوف أو التواطؤ، وعن اختلال المواقف السياسية والقيم الأخلاقية لدى كثيرين ممن حسبناهم غير ذلك.

***

وحتى إذا صدقت المآخذ التى تتهم “أبو العلا ماضى” بالمشاركة فى عملية إقصاء المعارضين والاستئثار بإعداد دستور 2012. فإن المشاركة فى دستور 2014 كانت أكثر قسوة وأشد مرارة، فعلى الأقل تم إعداد دستور 2012، وكل معارضيه أحرارًا يمارسون معارضتهم وتظاهراتهم وضغوطهم بحرية كاملة، بدعم من الدولة العميقة والإعلام الرسمى وغالبية الاعلام الخاص.
بينما دستور 2014 تم إعداده، والآلاف من معارضيه فى القبور أو فى السجون. بل حين حاول البعض من شباب الثورة من غير الإسلاميين، التظاهر أمام مجلس الشورى لإيصال رسالة سلمية إلى لجنة إعداد الدستور بضرورة رفض المحاكمات العسكرية للمدنيين، تم القبض عليهم ومحاكمتهم وإدانتهم بأحكام وصلت إلى خمس سنوات.
وفى جميع الظروف والأحوال، ووفقا لأى معايير موضوعية أو قانونية، فإنه لا يمكن اعتبار مواقفه السياسية والدستورية، جريمة جنائية يستحق عليها الاعتقال والسجن والإدانة بتهمة الارهاب والتحريض على العنف. 

***

كم لنا من صديق أو رفيق أو ابن او ابنة فى السجون مثل أبو العلا ماضي؟
الحرية لكل المظلومين فى كل المعتقلات والزنازين. ورمضان كريم وعيد فطر مبارك.

مصر العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *