فبراير 27, 2024

فجر العادلي تكتب: اليوم الأسود في تاريخ مصر

فجر العادلي تكتب: اليوم الأسود في تاريخ مصر

أتذكر 14 من أغسطس 2013، كنت في ألمانيا في ذلك الوقت أستعد لأحد الاختبارات.
أتذكر عندما اتصلت بي صديقة وسألتني “هل رأيت ما حدث في مصر اليوم؟” أسرعت لجهاز الكمبيوتر المحمول وكانت أول صورة وقعت عليها عيني هي صورة لجثة رجل متفحمة.
نظرت مرتين للصورة لأنني لم أصدق أن هذه الصورة التقطت في مصر.

 
أتذكر مسرح الحرب، صورا لرجال يبكون، وأطباء لاحول لهم ولا قوة، والعربات المدرعة، وقناصة على أسطح المباني وجثث متفحمة، دماء على الأرض، وصبي يصرخ.. سأظل أتذكر ذلك الصبي الذي أخذ يرجو أمه التي فارقت الحياة أن تستيقظ حتى يعودوا للبيت.

 
ما حدث في رابعة..
قام أكثر من 8500 من المتظاهرين السلميين بالاعتصام في ميداني رابعة والنهضة.. المتظاهرون ناموا وأكلوا وصلوا وعاشوا في كلا الميدانين. كثير من المتظاهرين كانوا ينضمون للاعتصام ليوم واحد أو بضع ساعات.
في الرابع عشر من أغسطس أصدرت الحكومة المدعومة من الجيش أمرا رسميا بفض اعتصامي رابعة والنهضة. وفي الساعات الأولى من ذلك اليوم تحركت مئات من قوات الأمن إلى الميدانين، وعلى مدى أربع وعشرين ساعة قتل أكثر من ألف متظاهر تبعا لخطة الفض.

 
منظمة حقوق الانسان هيومن رايت واتش قالت “إن عمليه الفض هي واحدة من أكبر العمليات التي قتل فيها هذا العدد من المتظاهرين في يوم واحد في التاريخ الحديث”، واتهمت قوات الأمن المصري بارتكاب “جرائم ضد الانسانية”، سقط آلاف من الجرحى واعتقل المئات..

 
وبعد الظهر أمرت قوات الشرطة معظم المتواجدين في الميدان بالمغادرة، وهددوا الأطباء لكي يتركوا الجرحى والجثث خلفهم، قتل العشرات من النساء والأطفال، كل 20 ثانية كانت تطلق النيران على شخص.
هناك فيديو يوثق كيف هجمت قوات الأمن على المستشفى الميداني وأطلقت النار على الجرحى الملقين على الارض.

 
كانت قوات الأمن المركزي والقوات الخاصة القوتين الرئيستين اللتين قاما بعمليه الفض،أما قوات الجيش فقد أمنت المداخل لتمنع الناس من الدخول أو الخروج وتركت الجرحى دون مساعدة. كما قامت قوات الجيش باستخدام البلدوزرات لمساعدة قوات الأمن على التقدم إلى داخل الميدان، وكان القناصة يطلقون النار بشكل عشوائي، وأحاطوا المباني التي كان يحتمي بداخلها المتظاهرون. لم يكن هناك أي مكان يمكن أن يحتمي فيه المتظاهرون.

 
تبعات مجزرة رابعة

 
مجزرة رابعة كسرت الشعب المصري، وخلفت وراءها مجتمعا منقسما وغير موحد، والأكثر من ذلك هو توقع بعدا مجهولا من العنف بعد استخدامه ضد المدنيين.
استمرار القتل بعد رابعة وإثبات فساد المجلس الأعلى للقوات المسلحة وصمت جزء من المجتمع على ذلك يدل على خلل أخلاقي ويطرح العديد من الأسئلة.. رابعة حطمت كرامة المصريين.
الطريقة التي بدأ بها الفض لم تكن طريقة فض اعتصام بل طريقة للانتقام، فكما قال طالب فقد العديد من أصدقائه إنه لم يرى أشخاصا يطلق عليهم النار بهذه الطريقة إلا في ألعاب الفيديو، ولم يعتقد أبدا أنه سيرى ذلك في الحقيقة.

 
كيف يمكن ذلك؟
السبب في ذلك هو فساد المجلس الأعلى والقوات المسلحة واستفادة السلطات المصرية من فساد النظام السابق ومحاولة الإبقاء عليه على الرغم من تبعات ذلك اجتماعيا وسياسيا.

 
إن القتل الوحشي لمصريين على أيدي مصريين يمثل إشكالية كبيرة من ناحية، ومن ناحية أخرى يعتبر قبول هذا العنف ضد أفراد قد يكونوا جيرانا أو أصدقاء في المدرسة أو حتى من أسرة واحدة لهو أمر صادم.

وإذا نظرنا لما حدث من وجهة نظر علم النفس الاجتماعي فإن المجازر والقتل الجماعي وقبول ذلك في المجتمع، كل ذلك يظهر الظروف المحيطة بالمجتمع والتي تسعى إلى:
– إيجاد عدو داخل المجتمع، ثم العمل على مفهوم “العدو” هذا يجعل منه مسؤولا عن معظم الإخفاقات وتصويره خائنا.
– وجوب التخلص من العدو حتى إذا كان جزء من المجتمع.
– اعتبار وتصوير عمليات القتل ضد المدنيين “عمل” لازم لحمى الوطن.
– تجريد العدو من صفته كإنسان، وبذلك يكون قتله وقبول ذلك أسهل.
هذا المناخ يشكل الواقع المصري، حيث تم تشويه صورة الاخوان المسلمين وأي شخص آخر ينتقد أو يرفض القمع. وقد ساهم في ذلك إعلام النظام المصري السابق. لقد فسد النسيج الاجتماعي والأخلاقي في مصر.
 أولئك الذين قبلوا القتل أو ظلوا صامتين و تواطؤوا مع القتل والاقصاء قد تخلوا عن إرادتهم وكذلك إنسانيتهم.

 
بعد سنتين من المجزرة

 
حتى الآن لم يتم إجراء تحقيق حقيقي أو مستقل لإدانة المسؤولين عن هذه المأساة، ولا يوجد أي اهتمام حقيقي لإدانة المجزرة ورفع الوعي. وعلى الجانب الآخر تستمر الجرائم ولم يتغير أي شي تحت حكم السيسي. لقد دافع السيسي مؤخرا عن المجزرة ووصفها بأنها ضرورية لضمان الاستقرار.

بعد مرور سنتين على المجزرة، توضح الأدلة أن القاهرة شهدت جريمة حرب. مصريون أبرياء قتلوا على يد مصريين.
وشهدت مصر تخلى القوات المسلحة عن مهمتها في حماية الشعب لتنقلب عليه. انقلبوا على الشعب بوحشية غير متوقعة، تخلوا عن كل مظاهر الانسانية تبعا للخطة.
 مجزرة رابعة حفرت في ذاكرة العديد من المصريين، فاهتز خيالهم عن ” الممكن” فكانت المجازر ومزيد من القمع.

وعلى الرغم من إطلاق اسم هشام بركات على ميدان رابعة؛ فسيبقى يوم الفض يوما أسودا في تاريخ مصر، وسيبقى منح الصلاحية للقوات المسلحة لقتل الناس الأبرياء دليلا على الخيانة والتخلي عن الإرادة.
 كل تصعيد، كل اعتقال، وكل القمع الحاصل في الوقت الحاضر يذكرنا بالمجزرة. القمع مستمر وأولئك الذين ارتكبوا الجرائم مستمرون في جرائمهم والعدالة لم تتحقق بعد.

 المصدر: الجزيرة مباشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *