فبراير 26, 2024

 

د.محمد محسوب

قانون الخدمة المدنية
رقم 18 لسنة 2015 
يستند أي قانون للوظيفة العامة لتوازن دقيق بين مصلحة المرفق العام ومصالح جهة الإدارة من جهة وكذلك حقوق الموظف وحاجته للحماية في مواجهة احتمالات تغوّل جهة الإدارة وتعسفها في استعمال سلطاتها من جهة أخرى.
كما إن قانون الوظيفة العامة يُعبر غالبا عن سياسة الدولة؛ فإذا أخذت على عاتقها ضمان تقديم الخدمات العامة لمواطنيها (تعليم وصحة وأمن وتوفير الكهرباء والمياه الصالحة للشرب والنقل .. ألخ) فإنها تعتمد على جهاز إداري أكبر مما لو شاءت أن تنسحب من قيامها بدور مقدم الخدمة، ونقلت تلك المهمة للقطاع الخاص، فعندئذ تتراجع حاجتها لجهاز إداري كبير.
وعادة ما تكون البلاد التي تُعاني شعوبها الفقر في حاجة لقيام الدولة بتقديم الخدمات العام بسعر عادل لحين تحسن مداخيل المواطنين؛ وإلا لتركتهم أمام قطاع خاص لا يعرف سوى تعظيم الربح بزيادة قيمة الخدمة في مواجهة مستهلكين لا يملكون قيمتها.
ومن ثم تُحرم فئات عريضة من أبسط الخدمات، كالصحة والتعليم وتوفير وسيلة معقولة للنقل.. كما هو حادث في بلادنا.
ويعبر قانون الخدمة العامة عن سياسة تستكمل ما قام بها نظام مبارك منذ 1989 عندما بدأت الخصخصة تحت عنوان “توسيع قاعدة الملكية” ثم انتقلت إلى تبديد ملكية الدولة ببيعها بأبخس الأثمان لمستثمرين مغامرين؛ حتى فقدت الدولة قدرتها في مجالات كثيرة على توفير الخدمة، من بينها مثلا خدمة نقل البضائع، والتي أمست كاملة بيد القطاع الخاص، وهو ما انعكس على زيادة سعر البضائع المنقولة بسبب تحكم القطاع الخاص في سعر النقل ورفعه كلما زادت فاتورة الطاقة (سولار وبنزين).
وكذلك يمكن رؤية نماذج في انفلات أسعار السكر والدقيق بعد تبديد الدولة للأصول الصناعية الرابحة كشركات صناعات السكر (شركة الدتا للسكر نموذجا) أو شركات المطاحن.
توافق مع سياسة تخلي الدولة عن دورها في تقديم الخدمات للشعب تسريحها لعمال المصانع والشركات التي بيعت، وامتناعها عن التعيين في الجهاز الإداري بقصد إنقاصه لأقصى حد. وهي اليوم تستكمل نفس المنظومة بتحصين عقود الخصخصة من أي طعن (قانون صدر في فترة الرئيس المؤقت) وتقديم غطاء تشريعي للتخلص من حجوم أكبر من موظفي الدولة وما تبقى من قطاع الأعمال العام.
وسأكتفي بإلقاء الضوء على بعض الاحكام في هذا القانون الذي لا تكفي مقالة لتناول أحكامه.
(1)
المفارقة الأولى والتي تُنبئ بتوجه التشريع يشي بها عنوانه “قانون الخدمة المدنية” في مقابل عنوان القانون الذي أُلغي وهو “قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة”. فالأول ينظم الخدمة، بينما الثاني يحدد حقوق وواجبات الموظف، وهو ما كان يعبر عن مرحلة حمائية تبنتها الدولة لصالح الموظف، بينما الجديد يعلن الاستمرار في مرحلة الخصخصة، فيتجنب مصطلح “الوظيفة” أو الموظف، ويفضل مصطلح الخدمة والتي يمكن أن تقدمها الدولة بمرافقها وموظفيها، أو يقدمها مستثمر بمشروعاته وعامليه.
يؤازر هذا المعنى ما ورد بالمادة 3 من القانون بتشكيل “لجنة الموارد البشرية” بكل وحدة، أي وزارة أو مصلحة أو هيئة عامة أوحدة محلية، وتتكون اللجنة من خمسة أشخاص بينهم ثلاثة حدد المشرع صفتهم “قانوني ومتخصص موارد بشرية ونقابي” والأخير أشار له المشرع بعبارة “إن وُجد”، بمعنى أنه يجوز تشكيل اللجنة من خمسة ليس بينهم نقابي؛ ومن ثم يكون عضوان إلى ثلاثة باللجنة غير محددي الصفة؛ بحيث يمكن أن يكونوا حكوميين أو خاصين؛ ومن ثم لا يُمثل الموظفين المحكومين بالقانون سوى بشخص واحد “إن وُجدت لجنة نقابية”!!.
هذه اللجنة، والتي ربما لا يُمثل فيها الموظفون، أو إذا مُثلوا فبشخص واحد، تمتلك – وفقا للمادة 5 – اختصاصات مذهلة تشمل: اقتراح تعيين الموظفين والعلاوات التي يُمكن أن تُمنح لهم ونقلهم واعتماد تقارير الأداء التي ينبني عليها آثار من أهمها الترقية والعلاوات لا بل والفصل، وغير ذلك.
وربما يتفاءل البعض بأن الجهة المختصة تمثل جهة رقابية على اقتراحات اللجنة والتي ربما لا تعتمدها إذا تبين لها عدم عدالتها مثلا؛ لكن هذه الجهة المختصة ليست سوى الوزير أو المحافظ أو رئيس مجلس إدارة الهيئة، وجميعهم لا يعبرون عن تمثيل حقيقي للموظفين وإنما عن سياسة السلطة الحاكمة، وبالتالي ستكون أكثر ميلا لإقرار ما يحقق سياستها، كتخفيض أعداد الموظفين بمنع أو تقييد التعيين، أو معاقبة المعارضين باستخدام النقل أو العلاوات أوز حتى الفصل.. ألخ
الأمر نفسه ينطبق على ما أسماها التشريع – في الفقرة الرابعة من المادة 26 – “لجنة تظلمات” والتي لا يُمثل الموظفيون فيها إلا بعضو نقابي، إن وُجدت وحدة نقابية.
وتتحكم لجنة الموارد المالية – وفقا للمادة 27 – في حياة الموظف طيله فترة شغله للوظيفة، فهي التي تقترح خصم 50 بالمائة من مرتبه إذا صدر له تقريرا أداء ضعيف عن سنتين متتاليتين، أو حتى فصله تماما من الوظيفة.
والقضية لا تتصل بقناعتنا بضرورة معاقبة الموظف الخامل وحتى فصل من يستحق، لكنه يتعلق بالجهة التي تقترح والجهة التي تُقرر وإذا كان القانون قد وضع معاييرا لنزاهتها وعدم تمثيلها لسلطة تنفيذية تميل للتخلص مما تعتبره عمالة زائدة، بينما الأمر يعود لسوء أدائها وفشلها في توظيف إمكانات الدولة لخدمة المواطن، أو ربما استغلالها لسلطتي العقاب والفصل للانتقام من موظفين لا يتبنون وجهة نظرها.
(2)
يكون التعيين في أي وظيفة – وفقا لحكم المادة 13 – بطريقة مركزية ، فهي تكون بقرار من رئيس الجمهورية أو من يفوضه، بعد إجراء امتحان للمتقدم للوظيفة وترتيب المقبولين بحسب نتيجة الامتحان.
هذا المركزية لا تعبر إلا عن تغليب لمفهوم تسييس الوظيفة العامة، وضمان أن شاغلها ليس من معارضي النظام السياسي، فخلال العقود السابقة كان يسبق صدور قرار التعيين ما يسمى بالاستطلاع الأمني للتعرف على رأي جهاز أمن الدولة في التوجهات السياسية أو ربما الانتماء العرقي أو الديني أو حتى الجهوي؛ وهو ما تُرجم في عدم تعيين طوائف معينة في وظائف محددة.
أما الامتحان والذي يُعبر عن تبني مفهوم (المسابقة) بعيدا عن الأولوية المستندة للمؤهل والترتيب الدراسي، فإنه، وإن كان توجها يُقنع البعض، إلا أن الأمر يعتمد على تشكيل لجنة الامتحان ومعايير المفاضلة ومدى الالتزام بمعايير النزاهة وتجنب الواسطة والمحسوبية، وهو أمر يجعل الكثيرين يتوقفون أمام تبني أسلوب الامتحان لاختيار الأكفأ، وربما إن أشهر وظيفة يجري لها امتحان سنوي ويصدر قرار بتعيين شاغليها هي معاوني النيابة تشي بتخوفات كل مصري.
وقد قلت لأحد الأصدقاء من مستشاري النيابة العامة ، يوما، كيف يُمكن أن يُقرر عدة مستشارين مدى كفاءة شخص قدّر أكثر من مائة أستاذ جامعي ومستشار على مدار أربع سنوات دراسية أنه الأول على فرقته!! والأمر نفسه بالنسبة للمتقديمن للمهندسين أو الأطباء أو المدرسين أو غيرهم.
(3)
وربما تستفزك المادة 17 من القانون التي تجعل الموظف بعد تعيينه بقرار من رئيس الجمهورية أو من يفوضه وبعد اجتيازه للامتحان ليس موظفا بالمعنى الفني وإنما متدربا تحت الاختبار لمدة ستة أشهر يمكن إنهاء خدمته “دون حاجة لأي إجراء آخر”، دون حتى أن تبين هذه المادة طريقة إنهاء خدمته، والتي يبدو أنها ستكون بمجرد منعه من دخول مكان العمل.
وهي توحي بأن الستة أشهر لا تعدو أن تكون فترة لمراقبة آراء وسلوكيات الموظف المُعين.
(4)
تُنهى خدمة أي موظف بشكل تلقائي:
– خلال الستة شهور الأولى بمجرد إبداء جهة الإدارة عدم رغبتها في استمراره.
– بحصوله على تقريري أداء بمرتبة ضعيف لسنتين متتاليين.
– بحصلوه – فيما لو كان من موظفي الدرجة العليا – على تقرير أداء بدرجة أقل من متوسط عن سنتين متتاليين.
وهي كلها أسباب وجيهة، سوى أننا لو نظرنا لجهة منح تقارير الأداء وطريقة التظلم منها أمام لجنة تظلمات إدارية، وطريقة اقتراح الجزاء من لجنة الموارد البشرية، فإن الأمر يؤدي لجعل حياة الموظف بيد جهة الإدارة بشكل تام دون حماية حقيقية لا من نقابة ولا من قضاء.
كما إن الفصل الإداري أصبح هو القاعدة وفقا لهذا القانون، مما يجعل حياة الموظف وعائلته مُعرضة لخطر داهم في حالة فصله، واضطراره – متى كانت لديه القدرة – للجوء إلى القضاء لإلغاء قرار الفصل. وهو وضع أسوأ حتى مما قرره قانون العمل الموحد الذي وضع العمّال في مواجهة مباشرة مع أصحاب العمل دون حماية أو تغطية قانونية تمنحهم قدر من الطمأنينة.
والمقارنة مع أنظمة قانونية أخرى فيه قدر من الظلم للموظف أو العامل في بلادنا، في ظل ضعف المرتبات والأجور وعدم قدرته على تكوين فائض يستند غليه في حالات الفصل الإداري، وعدم وجود تغطية تأمينية توفر له قدر من التمويل لحين إيجاد وظيفة أخرى.
(5)
العلاوات المقررة بالمادة 37:
– العلاوة الدورية: مربوطة بالأجر الوظيفي (5%) وتمنح أول كل يوليو من كل عام.
– العلاوة التشجيعية: لا يجوز أن يحصل عليها أكثر من 10% من موظفي كل درجة من كل مجموعة نوعية، ولا تتجاوز 2.5% مرة كل ثلاث سنوات.
ولنا أن نتخيل الصراع الذي يجري بين 100 موظف ليحصل كل منهم على هذه العلاوة مرة كل ثلاث سنوات؛ فبمرور الثلاث سنوات لن يحصل عليها أكثر من 30% من شاغلي كل درجة من كل مجموعة نوعية. وبالتالي ليحصل عليها كافة الموظفين الحاصلين على تقارير أداء بدرجة كفء على الأقل ولو سارت الأمور بتوزيع عادل دون أن تنحصر العلاوة بين عدد معروف ومحدود، فنحتاج إلى 10 سنوات.
وفي ظروف تدني المرتبات فإن نسب العلاوات تصبح مثارا للسخرية.
(6)
الحصول على مؤهل علمي – وفقا للمادة 38 – يستحق عنه الموظف علاوة تميز علمي 2.5% من الراتب الوظيفي (!!) لكن ذلك لا يؤهله لوظيفة أعلى أو مغايرة تتناسب مع هذا المؤهل.
وبالتالي فإن واضع التشريع العبقري يتصور أن العلاوة سبب كافي ليسعى كل موظف لتطوير مستواه العلمي، والذي يعتقد هذا المشرع أنه يختلف عن إنماء الموظف لمستواه المعرفي. فلأول مرة يميز مشرع بين العلم والمعرفة ليمنع من يحصل على شهادة من الحصول على وظيفة يستحقها.
(7) 
المادة 67 استحدثت أحكاما تاريخية أجازت بها أن لا يحصل المحبوس حبسا إحتياطيا، وإن لم يُدن، إلا على نصف راتبه، أما لو أدين فيُحرم من كامل الأجر (!!) 
بمعنى أن المحبوس احتياطيا الذي تبينت براءته – والمفروض في التشريعات الحديثة أنه يستحق تعويضا – تُعاقبه جهة الإدارة بخصم نصف المرتب؛ مع العمل أن حبسه ربما يكون بوشاية من جهة الإدارة ذاتها، كما هو مشاهد في الواقع.
وربما استكملت هذه المقالة بأخرى لما تبقى من أحكام هذا التشريع..
***

المصدر : فيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *