فبراير 23, 2024

سليم عزوز يكتب: مطلقات 30 يونيو!

سليم عزوز يكتب: مطلقات 30 يونيو!

كدت أركن للوصف الشائع في مثل حالتهم: “أرامل”، فالذين استفادوا من الكرم الحاتمي للرئيس صدام حسين أطلق عليهم بعد اعتقاله ومحاكمته: “أرامل صدام حسين”، والعشرات الذين تظاهروا عند تقديم المخلوع حسني مبارك للمحاكمة، أطلق عليهم: “أرامل مبارك”. وقديما كانت تخرج الأرملة في جنازة بعلها وهي تهتف بعلو الصوت: “يا جملي”!.
لقد “برك الجمل”، والاصطلاح “برك”، بفتح حروفه الثلاثة، يستخدم للدلالة على أنه قعد بعد وقوف، كما يستخدم للتعبير عن الوفاة، وبعد أن “برك جمل” القوم، ولوا وجوههم شطر طهران، خصم صدام حسين، كما وجد “أرامل مبارك” في عبد الفتاح السيسي غايتهم، وإن كان في حكم “ظل رجل ولا ظل حيطة”!
“الأرمل”، أو “الأرملة” يعني فقد الطرف الثاني بالوفاة، لكن 30 يونيو لا تزال على قيد الحياة تحكم، ومن هنا فأعتقد أن الوصف الدقيق لحالة القوم هو “مطلقات”، وقد أوحى لي بذلك مشهد ثلاثي “قائمة صحوة مصر” في مؤتمر مقاطعة الانتخابات البرلمانية وبشكل بائس كمطلقات يقفن أمام محكمة “الزنانيري” الشهيرة، وهي محكمة الأسرة، وقد جئن أمام “عدالة المحكمة” يطلبن بالنفقة، بعد أن وقع الطلاق للضرر!.
كان لفيف من الأساتذة يقفون في المؤتمر الصحفي، لكني لم أعرف من الواقفين سوى ثلاثة: عبد الجليل مصطفي، وعمار على حسن، ونور الهدى زكي، وهم من الذين هتفنا معهم من قبل بسقوط حكم العسكر، وكانت الأخيرة تتزعم هذه الهتافات: “والعسكري مظلوم في الجيش.. ياكل فول ويلبس خيش.. وإيه آخرتها مع الضباط”؟!.
وكان الثلاثة من الذين شكلوا غطاء ثوريا للثورة المضادة، باعتبارهم من رموز ثورة يناير، وزميلتنا “نور”، مع صاحبتها “كريمة الحفناوي”، ابتذلوا مقام الرئاسة بأن صعدن فوق سيارة الرئيس محمد مرسي وهتفن ضده، فكان التصرف بسماحة لا تليق، فإدارة الدول تقوم على الهيبة، أما مكانة إمام المسجد فتتحقق بالدفع بالتي هي أحسن.
لا بأس فقد كانت أيام، الآن لا تستطيع “نور الهدى” أن تكرر ما فعلته مع رئيس الدولة، مع رئيس حي شرق القاهرة، الخاضعة له إداريا بحكم إقامتها.
عندما وقع الانقلاب العسكري كان الثلاثي سالف الذكر ومعهم فريق كبير من السياسيين يعتقدون، أنها دانت لهم، فبتغيب الإسلاميين، فإن الحكم الجديد بحاجة إلى ذراع سياسي، ظنوا أنهم مؤهلون للقيام بدور الذراع، لأن قائد الجيش لن يجد أفضل منهم، فلم يعد في المشهد إلا هم والحزب الوطني، ولا يليق بعد “ثورتين باسلتين”، أن يعيد عبد الفتاح السيسي رموز “الحزب البائد” للمشهد السياسي، وكيف يفعلها وهو ينتمي للجيش الذي حمى الثورة، والذي أجبر مبارك على الرحيل، والذي كان يرفض التوريث؟، ثم أنه رفض أوامر مبارك بإطلاق الرصاص الحي على ثوار يناير.. إلى آخر هذه الدعايات الكاذبة، التي سقطت الآن بما أذيع من شهادات للمشير محمد حسين طنطاوي عن وصفه ليناير بالمؤامرة، ونفيه لموضوع التوريث، كما نفى تماما أن يكون مبارك قد أمره أو أمر غيره بقتل الثوار. وقال إن مبارك تنحي من تلقاء نفسه وبدون طلب من أحد!.
الأمور كانت واضحة من البداية، وشهادة طنطاوي التي برأت مبارك وأركان حكمه كانت في متناول الأيدي، لكنهم وجدوا في 30 يونيو فرصتهم التاريخية لكي يكونوا “في الصورة” وفي صدارة المشهد، وهو أمر لا تمكنهم منه أصوات الناخبين وصناديق الانتخاب، فأسرفوا في التأييد وصار السيسي هو عبد الناصر تارة، وأيزنهاور تارة أخرى، وشاركوا بالتأييد في المؤتمرات الانتخابية لصاحب “القسمة والنصيب”، وبالغت “نور الهدى زكي” فعلقت صورته بسلسلة تدلت على صدرها، ربما تميمة بعد أن أعلن السيسي طبيعة عمله فهو “طبيب” يضع يده على موضع الألم فيغادر الجسد خوفا وطمعا، وقد وصفته “شريفة الشوباشي” بـ “المسيح”، وكل بحسب ثقافته. ولم ننتبه إلى أن السيد المسيح عليه السلام كان يبرئ الأكمه والأبرص، إلا بإعلان السيسي نفسه أنه “طبيب”!.
وقد تفجرت بداخلهم ينابيع العشق وبراكين الحب من أو نظرة، كالحلاج وهو يهتف:
أدنو فيبعدني خوفي فيقتلني شوق/ تمكن في مكنون أحشائي
قالوا تداوى به منه فقلت لهم/ يا قوم هل يتداوى الداء بالداء!.
كان الأداء العام للانقلاب يؤكد أن القوم هم من سيصحبون على “حجر المرحلة الجديدة”، فرئيس الحكومة حازم الببلاوي ونائبه زياد بهاء الدين هما قياديين في حزب ضمن ائتلاف 30 يونيو، والناصري الذي انضم لحزب “الدستور” حسام عيسى تم تعيينه وزيرا للتعليم العالي، ثم أن أحد أعيان المظاهرات ومن كان يقود الهتاف ضد حكم العسكر، و”العسكري مظلوم في الجيش..” جرى تعينه وزيرا للقوى العاملة، وهو أمر يفوق أكثر أحلامه جنونا.
كما تم تسليم كيانات من بابها لهذا الفصيل، مثل المجلس الأعلى للصحافة، والمجلس الأعلى لحقوق الإنسان!.
ومنه تشكلت لجنة الخمسين لإعداد الدستور، فصالوا وجالوا وسعدوا بالمهمة!
كانوا يتصرفون على أنهم يحكمون من خلال السيسي وهم نخبته وذراعه السياسي، فإذا به بعد أن يفوز بالرئاسة، يشكل حكومة برئاسة عضو لجنة السياسات إبراهيم محلب، وإذا بالرجل المتورط في صفقة بيع الغاز لإسرائيل يستمر وزيرا للبترول، كما اختار أمين لجنة التثقيف في الحزب الوطني بمحافظة القليوبية وزيرا للزراعة، وكانت حكومته على ذات قواعد أستاذه وولي نعمته مبارك!.
وكانت هذه رسالة لا تخطئ العين دلالتها، لكن أذل الحرص أعناق الرجال!.
منذ اليوم الأول للانقلاب كتبت للقوى التي تؤيده من ثوار يناير، إن السيسي يريدكم “لمسافة السكة”.. وقد كان، وجاءت الرسائل متواترة، تفيد أن “الحداية لا تلقي كتاكيت”، وأن السيسي منتم لدولة مبارك وليس لثورة يناير!.
إن المشير محمد حسين طنطاوي الذي هتفنا ضده وهتف هؤلاء معنا وأمامنا بسقوط حكمه، تم رد الاعتبار إليه وعاد يتصدر المشهد، وتجري معاملته على أنه الزعيم الروحي وولي أمر السيسي الذي لم يقل يوما انه منحاز لثورة يناير، أو أن عبد الناصر يمثل له أي قيمة، لكنهم هم من قالوا، وهم من كذبوا، حتى صدقوا أنفسهم!.
فهل صدقوا أنفسهم حقا؟… أشك في ذلك!.
وأكبر دليل على ذلك أن هؤلاء الذين أعلنوا أن عبد الفتاح السيسي هو عبد الناصر، لم يزعجهم انحيازه ضد الفقراء، كما أنهم لم يفتحوا أفواههم بكلمة نقد وقد عاد السفير الإسرائيلي إلى القاهرة، وعاد علم الكيان الإسرائيلي يرفرف في سمائها بعد أن أنزلته ثورة يناير!
ثم إنهم لم يطالبوه بالانتصار لقيم ثورة يناير، ولم تزعجهم براءة قتلة الثوار، ولم يعد يشغلهم بعد مرحلة الرئيس محمد مرسي حقوق ضحايا الثورة وشهداءها!.
لسبب مهم وهو علمهم أن حكم السيسي هو الامتداد الطبيعي لحكم مبارك، وكل ما يعني المؤيدين له، هو أنهم سيكونون “في الصورة” ولو على جماجم شهداء الثورة، وما ضرهم لو استبدلهم الحكم الجديد برفعت السعيد اليساري الذي يعد لحم أكتافه من “فضلة خير” مبارك. إنها فرصة للصعود الطبقي!.
كانت الأخبار تأتي متواترة، تدغدغ الخيال، بأن الدكتور عبد الجليل مصطفي هو رئيس البرلمان القادم، وربما صدق الرجل، ألم يكن من أصحاب الحظوة في لجنة إعداد الدستور؟، فاته أن هذا جرى في مرحلة الضحك على الذقون، و”الغربال الجديد” له شدة كما يقولون!.
وفي المرحلة الأخيرة جاءت الرسائل متواترة!.
الاعتداء على سليمان الحكيم دون الاعتذار!.
إبعاد محمد منير مجاهد من موقع مدير الضبعة بأوامر سيادية وبناء على تقارير أمنية. وقال الحزب الاشتراكي الذي شارك منير في تأسيسه في رسالته للسيسي إن سمعة النظام أصبحت على المحك، ولعل النظام تبسم ضاحكا وساخرا من هؤلاء الذين لا يزالون يعتبرون أنه فقط على المحك!
سهام العقاد صحفية “الأهالي” المؤيدة للانقلاب بـ “الباع والذراع” يجري اطلاق الرصاص على زوجها وإصابته من قبل ضابط متقاعد بالجيش وتشكو للسيسي، والأمر يمكن أن يحل باعتذار يقوم به أصغر موظف في مجلس الوزراء.. لكن لم يحدث!
وفي أسبوع واحد، يتم منع عبد الحليم قنديل من السفر انتهاكا لحجية حكم قضائي يقضى برفع اسمه من قوائم الممنوعين من السفر، فيتصرف على أنه شريك في الحكم ويصف منعه من السفر بـ “الفضيحة”، فلم يُعتذر له ولم يرفع اسمه إلى الآن!.
ثم يتم “فرم ” عدد من صحيفة “صوت الأمة” التي يترأسها تحريرها، فيقابل الأمر بروح المحب، ويبرره بأنه اختلاف في تقديرات النشر، ولم يعامل بما كان يعامل به من قبل عندما “فُرم” عدد سابق وأعيد طباعته على حساب الجهة الفارمة!.
وأخيرا جرى إبعاد المرشح الوحيد لحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي على قائمة السيسي “في حب مصر”، ولم يعلم الحزب بالإبعاد إلا بعد غلق باب الترشيح!.
رسائل تمثل صفعات على الوجوه البائسة وركلات على المؤخرات، لكن لا يزال الأمل يحذوا البعض، بأنه خطأ أجهزة لكن الرئيس حتما لن يرضيه ذلك!.
وجاء موعد أحد استحقاقات خريطة المستقبل كما وضعها العسكر، ونودي على الانتخابات البرلمانية وأعد عبد الجليل مصطفي قائمة ما يسمي بـ “صحوة مصر” ومعه بعض الشخصيات والأحزاب الحليفة، لكنه وقف على أنه يخدع نفسه، ولن يحالف الحظ أي قائمة منهم فبحث عن ذريعة للانسحاب فلم يجد إلا أن لجنة الانتخابات تفتقد للصلاحيات التي تمكنها من فرض إرادتها، وكأن هذا مفاجأة وكأن دورها لم يوضع في قانون نشر في الجريدة الرسمية ولم يعترض عليه عبد الجليل مصطفي واخوانه!.
ووقف الثلاثة سالفو الذكر في المؤتمر الصحفي ليعلنوا الانسحاب بوجوه غبرة ترهقها قترة، على نحو بدوا لي فيه أنهم أمام محكمة الزنانيري بعد أن وقع الطلاق من طرف واحد، فجاءوا يطلبون بالنفقة!.
لقد عاد الحزب الوطني بفضل 30 يونيو، أما هؤلاء الذين يمثلون الغطاء الثوري للثورة المضادة، فسوف يحاسبون بأثر رجعي!
ألم يقل أحد أعضاء المجلس العسكري في جلسة مع الصحفيين وعلمنا جميعا بما قال وهو أن كل من هتف ضد حكم العسكر سيدفع الثمن؟!
بذكاء يحسب له، فإن عبد الفتاح السيسي أنهى الدور السياسي لهؤلاء، فليسوا مقبولين لدى السلطة ولن يقبلوا في صفوف المعارضة، وكمال أبو عيطة وبعد مرحلة الوزير لم يعد بمقدوره أن يعود “هتيفا” اعلى سلالم نقابة الصحفيين كثوري صعلوك، ولم يستطع خوض الانتخابات البرلمانية بعد أن جرى حرقه سياسيا، ولن يمكنه أن يصبح من علية القوم بحكم الوظيفة السابقة، فقد ولي زمان كانت “وزير سابق” تعنى وجاهة اجتماعية
بالمناسبة فأرجو من المناضلة المتقاعدة “نور” أن تبلغ تحياتي للعسكري المظلوم في الجيش. فمؤكد أنها نسيته عندما ظننت أنها صارت ضابطا!
كثيرون ظنوا أنهم ضباط وانتهى به المطاف مجرد عساكر مراسلة.. مهمته غسيل الملابس الداخلية للسادة الضباط!
لكن حتى هذا الدور لم يعد مقبولا منهم.. إنها النهاية البائسة لفصيل سياسي باع الثورة بالرخيص، وفي النهاية لم يجد حتى الرخيص!

المصدر : عربي 21

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *